كان مراسل وكالة الصحافة الفرنسية، عبد المنعم أبو إدريس علي يتلقى يوميا رسائل من مصادره في مدينة الفاشر بشمال دارفور غرب السودان، تتضمن عبارات مثل: “واحد وثلاثون قتيلا”، “مدنيون يقتاتون على علف الحيوانات”، و”إطلاق النار على من يحاولون الفرار”، في المدينة التي سيطرت عليها قوات الدعم السريع قبل أسبوعين.
كان المدنيون المحاصرون المصدر الرئيسي لمعلومات وكالة الصحافة الفرنسية عن الفاشر على مدى 18 شهرا، فرضت خلالها قوات الدعم السريع حصارا صارما على المدينة، انتهى بإعلان السيطرة عليها في 26 أكتوبر الماضي.
ومن بين المصادر المحلية التي اعتمدت عليها الوكالة كان الطبيبان عمر سلك وآدم إبراهيم إسماعيل، والشيخ موسى، والناشط محمد عيسى، وقد قُتل الأربعة جميعا جراء المعارك.
إلى حين مقتلهم، لعب هؤلاء دورا محوريا، وإن ظلّ مجهولا حفاظا على سلامتهم، في تغطية الوكالة للحرب المستمرة منذ أكثر من عامين بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.
* “كأنه ينتظر قدره” *
أُلقي القبض على إسماعيل أثناء محاولته مغادرة الفاشر في 26 أكتوبر 2025 واحتُجز ليوم كامل قبل أن يُقتل برصاصة في اليوم التالي.
ويقول أبو إدريس، الذي كان على تواصل متكرر معه، إن إسماعيل “لم يغادر الفاشر منذ أن فُرض عليها الحصار، كما لم يترك المستشفى ومرضاه”.
علم المراسل بمقتله عبر بيان لنقابة الأطباء السودانيين، بعد أيام من آخر مكالمة بينهما حين “كان صوته متعبا”، مضيفا: “كلما تحدثت إليه يودّعك في نهاية المحادثة كأنه ينتظر قدره”.
وفي سبتمبر، فقد أبو إدريس علي ثلاثة آخرين من مصادره المحلية في هجوم بطائرة مسيّرة على مسجد أودى بحياة أكثر من 75 مدنيا.
كان يتحدث إلى مصادره كلما سمحت شبكة الاتصالات المقطوعة معظم الوقت، وكانت أصواتهم، كما يقول، “ترسم لي صورة الفاشر.. عبرها أسمع أنين الجرحى وأحزان وأوجاع من فقدوا أعزاءهم بفعل آلة الحرب التي تطحن المدينة”.
قبل اندلاع الحرب في أبريل 2023، كان الصحفيون يجوبون البلاد بحرية. ويستعيد أبو إدريس علي لقاءه الأول مع الشيخ موسى في الفاشر قبل أكثر من عشرين عاما، قائلا إنه “مع السنين وشدة الحرب لم يتغير صوته الوقور الذي يرسم صورته وهو يجلس في راكوبته (مظلة يضعها السودانيون أمام منازلهم) بثوبه الأبيض الناصع وطاقيته، يحدثك عما يعانيه سكان المخيم دون أن يشكو حاله أو حال أسرته”، في إشارة إلى مخيم أبو شوك الذي نزح إليه مئات الآلاف من المدنيين.
ويضيف “دُفن عم موسى في الفاشر، وكان حلمه أن يعود إلى قريته الواقعة بين الفاشر ونيالا ليزرع أرضه”.
* “صورة أخرى للحزن” *
لم يلتق أبو إدريس علي بالطبيب عمر سلك وجها لوجه، لكنه يقول: “سيعطيك أرقام القتلى وهو يحاول أن يخفي رنة الحزن في صوته، كأنه يريد أن ينقل لك خبر موت عزيز لديك”.
كان سلك يمضي معظم وقته في علاج الجرحى بالمستشفى بعدما أرسل عائلته خارج المدينة حفاظا على سلامتهم. وعلى مدار الحرب، استُهدفت المنشآت الصحية مرارا ما أدى إلى مقتل مئات الجرحى والمرضى وأفراد الطواقم الطبية.
ويقول أبو إدريس إن سلك “لم يضجر أبدا من المكالمات الهاتفية، كان يمكنك الوصول إليه في أي وقت رغم انشغاله”.
وأدانت منظمة الصحة العالمية في نهاية أكتوبر مقتل 450 من المرضى والعاملين في المستشفى السعودي بالفاشر، محذّرة من “انهيار النظام الصحي الهش بالفعل”.
أما الناشط محمد عيسى فكان يعبر الخطوط الأمامية يوميا لتوصيل الطعام والماء والدواء للأسر المحاصرة داخل المدينة.
ويتذكر المراسل أنه “في أقسى لحظات القصف، يأتي صوته مؤكدا +كل خير إن شاء الله.. أنا بعيد لكن يمكنني أن أذهب لأعرف لك ما يحدث+ عندما تسأله عن أحوال المدينة”.
ويضيف أن “آخر حديث بيننا كان يوم 17 سبتمبر 2025” قبل يومين من الهجوم الذي قُتل فيه عيسى عن عمر 28 عاما.
معظم ضحايا الهجوم بالطائرة المسيّرة الذي استهدف المسجد في حي الدرجة الأولى كانوا نازحين فرّوا من الموت في مخيم أبو شوك وأحياء أخرى بحثا عن الأمان، كما يقول أبو إدريس علي، مضيفا أن “مسيّرة تابعة للدعم السريع قالت لهم لا نجاة من الموت”.
ويقول إن “الإنسان يتألم لموت أي إنسان، ويزداد الوجع إن كان الميت مدنيا لا يحمل سلاحا… أما إذا كنت تعرف بعضا من هؤلاء عبر أصواتهم أو التقيتهم وجها لوجه، فتلك صورة أخرى للحزن”.(أ ف ب)
